مع اقترابنا من إسدال الستار على هذا العام، يبدو المشهد الرقمي وكأنه ماراثون سريع الوتيرة بلا خط نهاية واضح. لقد كانت ترندات 2025 حالة خاصة جداً؛ تحولت مقاطع الفيديو إلى ظواهر اجتماعية ولدت في ليلة وضحاها لتملأ شاشاتنا، ثم تتلاشى أو تتطور قبل أن نلتقط أنفاسنا.
بعض هذه الصيحات كان مجرد محاولات للتسلية، بينما تحول البعض الآخر إلى “هوس جماعي” دفع الناس للوقوف في طوابير طويلة أو إنفاق مبالغ طائلة.
1. هوس دمى “لابوبو” (Labubu)
بدأت القصة بدمية صغيرة ذات ملامح غريبة، أسنان بارزة، وابتسامة متمردة، لتصبح فجأة الإكسسوار الأهم في ترندات 2025. دمى “لابوبو” التي تنتجها شركة “Pop Mart” اجتاحت تيك توك وإنستغرام بشكل غير مسبوق.
- لماذا انتشر هذا الترند؟ يعود السبب الرئيسي إلى “سيكولوجية الندرة” وصناديق الحظ (Blind Boxes)، حيث يشتري الشخص الصندوق دون معرفة الشكل الذي بداخله، مما يخلق إثارة عالية. إضافة لذلك، ساهم ظهور نجوم الكيبوب (K-Pop) وهم يزينون حقائبهم الفاخرة بهذه الدمى في تحويلها من مجرد لعبة إلى “رمز للمكانة الاجتماعية”.
- ماذا يقول الناس؟ انقسم الجمهور إلى قسمين؛ فريق يراها تعبيراً عن التفرد وكسراً لمعايير اللطافة التقليدية (Ugly-Cute)، وفريق آخر يرى فيها استهلاكاً مفرطاً وسعياً أعمى وراء الموضة بأسعار مبالغ فيها.
2. شوكولاتة دبي
لم يتوقع أحد أن مقطع فيديو واحد للوح شوكولاتة يتم كسره ليكشف عن حشوة غنية بالكنافة والفستق سيشعل هوساً عالمياً يُعرف بـ “شوكولاتة دبي”.
- لماذا انتشر هذا الترند؟ السر يكمن في تجربة الحواس المتكاملة (ASMR)؛ صوت تكسر الشوكولاتة، قوام الكنافة المقرمش، واللون الأخضر الجذاب للفستق. نجح هذا الترند لأنه دمج بين الأصالة العربية (الكنافة) والحداثة الغربية (الشوكولاتة الفاخرة).
- تحليل خاص: هذا الترند أثبت قوة “سياحة الطعام الرقمية”. لم تعد الشوكولاتة مجرد حلوى، بل أصبحت تجربة تستحق السفر أو الانتظار لأسابيع للحصول عليها، مما يعكس كيف يمكن لمنتج محلي أن يصبح سفيراً ثقافياً عالمياً بفضل خوارزميات الفيديو القصير.
3. ظاهرة “تعفّن الدماغ” (Brain Rot)

ظهر مصطلح “Brain Rot” بقوة ضمن ترندات 2025، ليس كمرض طبي، بل كوصف ساخر لحالة الإرهاق الذهني الناتج عن استهلاك المحتوى العشوائي والسريع جداً.
- لماذا انتشر؟ إنه آلية دفاعية للجيل الجديد (Gen Z & Alpha). بدلاً من الشكوى بجدية من تشتت الانتباه، اختاروا تحويل الأمر إلى نكتة جماعية ومصطلحات غير مفهومة للكبار، مما يعزز شعورهم بالانتماء لمجتمعهم الخاص.
- وجهة نظر: يُظهر هذا المصطلح وعياً ذاتياً مدهشاً لدى المستخدمين. هم يعلمون أن المحتوى يؤثر على تركيزهم، لكنهم يتقبلون ذلك كجزء من ضريبة العيش في عصر السرعة الرقمية.
4. ميم الرقم “67” الغامض
شهدت التعليقات غزواً لرقم يبدو بلا معنى “67” أو “6-7”. هذا الرقم تحول إلى رد جاهز لإنهاء أي نقاش أو لإبداء عدم الاهتمام.
- سر الانتشار: يكمن سحره في غموضه. لقد استخدمه الناس كأداة “إقصاء” لطيفة؛ فإذا كنت تعرف المعنى فأنت “من الشلة”، وإذا لم تكن تعرفه فلا جدوى من الشرح. فشلت العلامات التجارية في استغلاله لأن شرح النكتة يقتلها فوراً.
5. فلاتر الذكاء الاصطناعي ونمط “غيبلي”
تحولت صور السيلفي هذا العام إلى لوحات فنية حالمة تشبه أفلام استوديو “غيبلي” الياباني، بالإضافة إلى فلاتر تقارن بين الوجه الحقيقي والوجه “المحسّن” بالذكاء الاصطناعي.
- ماذا يقول الناس؟ أثارت هذه الفلاتر نقاشات أخلاقية عميقة. فبينما استمتع البعض بالجانب الفني والحالم، عبّر آخرون عن قلقهم من ترسيخ معايير جمال غير واقعية، حيث بدأ الكثيرون يفضلون نسختهم الرقمية على مظهرهم الحقيقي، مما يغذي ظاهرة “ديسمورفيا السناب شات”.
6. موضة “الجد العسري” (Grandpa Core / Eclectic Grandpa)

بعد سيطرة “الجماليات النظيفة” (Clean Girl)، انقلبت الموازين نحو العشوائية المريحة. هذا الترند يعتمد على ارتداء سترات صوفية واسعة، أحذية لوفر قديمة، وساعات كلاسيكية، وكأنك استعرت خزانة جدك.
- لماذا انتشر؟ إنه رد فعل عكسي على الموضة السريعة والمثالية المبالغ فيها. الجيل الجديد يبحث عن الدفء، الراحة، والاستدامة (Vintage)، وهذا الستايل يوفر شعوراً بالأمان والحنين (Nostalgia) في عالم رقمي سريع.
- رأي الناس: يراه البعض “راحة مطلقة” وهروباً من قيود الموضة الضيقة، بينما يسخر آخرون من فكرة أن “يبدو الشاب في العشرين وكأنه متقاعد في السبعين”.
7. تحدي “توازن نيكي ميناج” (Nicki Minaj Challenge)

تحدي فيروسي جديد اجتاح تيك توك، يتطلب من الشخص الوقوف على قدم واحدة مع الحفاظ على التوازن أثناء ارتداء كعب عالٍ (أو حتى بدونه) بوضعية محددة تحاكي وقفة نيكي ميناج الشهيرة.
- لماذا انتشر؟ لأنه يدمج بين المهارة الجسدية والفكاهة. الفشل فيه مضحك، والنجاح فيه مثير للإعجاب، مما يجعله مادة مثالية للمشاركة (Shareable Content).
- تحليل خاص: هذا النوع من التحديات يعيد إحياء “تيك توك القديم” الذي كان قائماً على الرقص والحركة، بعيداً عن الدراما والقصص، وهو ما يعطي شعوراً بالمرح الخفيف الذي يفتقده المستخدمون.
8. ظاهرة “حمام كل شيء” (The Everything Shower) ومكعبات البخار

لم يعد الاستحمام مجرد روتين نظافة، بل تحول إلى طقس مقدس أسبوعي يستغرق ساعات، يتضمن تقشير الجسم، أقنعة الشعر، واستخدام “Shower Steamers” (أقراص فوارة تطلق روائح عطرية مع بخار الماء).
- لماذا انتشر؟ إنه جزء من ثقافة “العناية الذاتية القصوى” (Radical Self-Care). في ظل ضغوط الحياة في 2025، أصبح الحمام هو الملاذ الوحيد للانعزال عن العالم الرقمي.
- ماذا يقول الناس؟ الفتيات يعتبرنه “إعادة ضبط للمصنع” (Factory Reset) لنفسياتهن، بينما بدأت العلامات التجارية تستغل الترند لبيع منتجات سبا منزلية بأسعار مرتفعة.
9. المحتوى المتسلسل (Micro-Storytelling Series)
بدأ المشاهدون يملون من المقاطع العشوائية، وبدأ صناع المحتوى بإنشاء “مسلسلات” قصيرة من حياتهم (مثلاً: “سلسلة البحث عن فستان زفافي – الجزء 15”).
- لماذا انتشر؟ خوارزميات 2025 بدأت تكافئ المحتوى الذي يجبر المستخدم على العودة للملف الشخصي (Profile Visits) لمشاهدة التكملة. هذا الترند يخلق “ولاءً” لدى المتابع ويحوله من مشاهد عابر إلى متابع للقصة.
- وجهة نظر: هذا هو مستقبل التلفزيون الواقعي، لكنه يُدار بواسطة أفراد وليس قنوات. الجمهور يريد “الدراما المستمرة” وليس مجرد لقطة واحدة.
10. لون العام: “موكا موس” (Mocha Mousse)

بينما كانت الألوان الفاقعة تسيطر سابقاً، 2025 هو عام الألوان الأرضية الغنية. لون الموكا (البني الدافئ المائل للشوكولاتة) يكتسح الديكور والأزياء.
- السر: اللون البني يعطي شعوراً بالفخامة الهادئة (Quiet Luxury) والدفء، وهو بديل أكثر حيوية من الأسود وأكثر رزانة من البيج.
إلى أين تتجه البوصلة؟
عند النظر إلى ترندات 2025 بمجملها، نلاحظ تحولاً جذرياً في سلوك المستخدم. لم يعد الجمهور يبحث فقط عن “المشاهدة”، بل عن “المشاركة والتملك”؛ سواء كان ذلك بامتلاك دمية لابوبو، أو تذوق الشوكولاتة، أو استخدام فلتر معين.
العام الحالي يثبت أن القيمة العاطفية (سواء كانت الحنين، الفضول، أو حتى الغرابة) هي المحرك الأول للانتشار الفيروسي، متفوقة بمراحل على جودة الإنتاج أو المحتوى المعلوماتي البحت.



