عادة ما يُنظر إلى الصداع النصفي كأزمة عصبية بحتة، ولكن كثيرًا من الأطباء اليوم أصبحوا يشيرون إلى سبب آخر لا يقل أهمية: الرقبة. فحياة العمل الحديثة، والجلوس الطويل أمام الكمبيوتر، وحمل الأغراض بطريقة غير متوازنة، كلها عوامل تُحدث ضغطًا مستمرًا على عضلات الرقبة، مما يمهّد الطريق لنوبات صداع قد تستمر ساعات أو حتى أيام.
ولأن الصداع النصفي يصيب نحو 14% من سكان العالم وفقاً لإحصاءات منظمات الصحة الدولية، فإن أي عامل بسيط يتحول بسهولة إلى مشكلة مزمنة إذا لم يُعالج مبكرًا.
الرقبة.. نقطة البداية لكثير من نوبات الصداع
يشير متخصصون في الأعصاب والعلاج العضلي إلى أن شدّ الرقبة المزمن يؤدي إلى تهيّج الأعصاب الصاعدة نحو الرأس. وعندما تتشنج العضلات الخلفية للرقبة، يقل تدفّق الدم نحو قاعدة الجمجمة، فينتج الصداع الذي يبدأ عادة من مؤخرة الرأس ثم يمتد نحو جهة واحدة.
وقد لاحظ الأطباء أن 70% من المرضى الذين يعانون صداعًا نصفيًا متكررًا لديهم أيضًا شكل من أشكال ألم الرقبة أو التيبس العضلي.
الجلوس الطويل… المتهم الأول
أكثر وضعية خطرة هي إمالة الرأس نحو الأمام أثناء العمل؛ فكل سنتيمتر تتقدم فيه الرقبة يضاعف الضغط على فقراتها. ويذكر أخصائيو العلاج الفيزيائي أن الجلوس بهذه الوضعية لـ 6–8 ساعات يوميًا يسبب:
- إجهادًا شديدًا للعضلات العميقة في الرقبة
- انضغاطًا بسيطًا للأعصاب
- تراكم تشنجات متكررة
- تراجع الدورة الدموية
وهذا كله يؤدي إلى صداع يبدأ خفيفًا ثم يتحول إلى صداع نصفي كامل.
لماذا تتأثر النساء بشكل أكبر؟
تشير مراكز بحثية إلى أن النساء يعانين شدًّا عضليًا في الرقبة بنسبة أعلى، ويرجع ذلك إلى:
- وضعية العمل على اللابتوب أو المكتبة لساعات طويلة
- حمل حقيبة اليد على كتف واحد
- ضعف الكتلة العضلية في الجزء العلوي من الجسم مقارنة بالرجال
وهذا ما يجعل الصداع الناتج عن الرقبة أكثر حضورًا لدى النساء بين عمر 20 و45 عامًا.
دور الوسادة في زيادة أو تخفيف الصداع
قد تبدو الوسادة تفصيلًا بسيطًا، لكنها في الحقيقة عنصر أساسي في منع الألم. إذ تظهر دراسات أن 60–70% من الأشخاص الذين غيّروا وسادتهم إلى نوعية أفضل لاحظوا انخفاضًا ملحوظًا في الصداع.
متى تكون الوسادة سبب المشكلة؟
عندما تكون:
- مرتفعة جدًا → الرقبة تبقى منحرفة طوال الليل
- لينة جدًا → الرأس يغوص للأسفل ويضغط على الفقرات
- صلبة وغير مريحة → تمنع استرخاء العضلات
كما أن وضع الذراع تحت الرأس أثناء النوم هو دليل على أن الوسادة لا تمنح دعماً مناسبًا.
نمط الحياة هو اللاعب الأكبر
بعد مراجعة الأبحاث الطبية الحديثة، يبدو أن الصداع النصفي لم يعد مجرد اضطراب عصبي معزول. إنه انعكاس مباشر لطريقة حياتنا: مكتب طويل، نوم غير مريح، توتر يومي، وحركة قليلة.
وبينما يبحث الكثيرون عن أدوية قوية للتخفيف من الألم، تكشف البيانات أن أبسط التدخلات—مثل:
- تعديل وضعية العمل
- استخدام وسادة مناسبة
- ممارسة تمارين الإطالة اليومية
قد تمنع ما يصل إلى نصف نوبات الصداع النصفي دون الحاجة إلى دواء.

