نعيش اليوم في سوريا الجديدة مرحلة مخاض عسير، مخاض الانتقال من دولة المافيات إلى دولة المؤسسات. لا شك أن التفاؤل يملأ القلوب بعد زوال كابوس الاستبداد، خاصة مع تدفق المساعدات وتوقيع الاتفاقيات الاستراتيجية مع الأشقاء في دول الخليج (وعلى رأسها السعودية وقطر) وتركيا. هذه المساعدات كانت بمثابة جهاز الصدمة الكهربائية الذي أعاد النبض لقلب الاقتصاد السوري المحتضر. ولكن، بين طموحات بناء “اقتصاد حقيقي” وواقع الأسواق الكاوي، يقف المواطن السوري اليوم يلهث بحثاً عن طوق نجاة.
تركة المخلوع: اقتصاد الكبتاغون والسيولة المسمومة
لفهم ما نمر به اليوم، يجب أن ندرك حجم الكارثة التي خلفها نظام الأسد. لم يكن الاقتصاد السوري في سنواته الأخيرة اقتصاداً طبيعياً، بل كان “اقتصاد ظل” يعيش على ثلاثة أوردة مسمومة:
- تجارة الكبتاغون والتهريب: التي ضخت مليارات الدولارات من الأموال القذرة التي خلقت سيولة وهمية في أيدي قلة فاسدة، وتسربت قطرات منها لتخدر السوق.
- اقتصاد الميليشيات: أموال تُضخ لتمويل مقاتلين أجانب وسياحة سياسية، خلقت طلباً مصطنعاً على العقارات والخدمات.
- الفساد والسمسرة: حيث أصبحت الرشوة هي الدخل الأساسي للموظف بعد أن سحق النظام راتبه.
مع سقوط هذا النظام، انقطعت هذه الأوردة المسمومة فجأة. ما يعيشه السوق السوري اليوم هو حرفياً “أعراض الانسحاب” من إدمان المال القذر. اختفت السيولة الوهمية، وواجهنا الحقيقة العارية: نحن بحاجة إلى بناء اقتصاد من الصفر.
عهد الشرع والخطوة الأولى: جرعة أوكسجين لم تكتمل
في عهد الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وبدعم سخي، خاصة من المنحة القطرية لدعم الرواتب، حاولت الحكومة تدارك الانهيار. وفي تموز 2025، صدر قرار بزيادة الرواتب بنسبة 200%.
في الشهر التاسع من العام الماضي، شعر السوريون ببحبوحة نسبية. الأسواق تحركت، والوجوه استبشرت خيراً، خاصة مع وعود حكومية متكررة بأن هذه الزيادة ستتبعها زيادة أخرى بنسبة 200% مطلع العام الجديد لمواجهة التضخم. ولكن، سرعان ما ابتلع غول الأسعار هذه الزيادة.
صرخة من الشارع: “الكهرباء ابتلعت الزيادة”
يقول “أبو يزن”، وهو موظف وأب لثلاثة أطفال، واصفاً حاله اليوم:
“عندما جاءت زيادة الـ 200% في الصيف الماضي، شعرنا أننا عدنا للحياة. استطعنا شراء بعض اللحم وتأمين مستلزمات المدارس. لكن فرحتنا لم تدم. اليوم، الأسعار تضاعفت، وفاتورة الكهرباء والمحروقات وحدها أصبحت تكسر الظهر وتأكل نصف الراتب. نحن لا نطلب المستحيل، نحن ندعم هذه الحكومة وصبرنا معها، لكننا ننتظر الزيادة الثانية الموعودة بفارغ الصبر، لأننا حرفياً عدنا إلى نقطة الصفر، وربما أسوأ.”
رسالة مفتوحة للحكومة: الجراحة العاجلة مطلوبة
التفاؤل بسوريا الجديدة لا يعني السكوت عن الأخطاء أو التباطؤ في إنقاذ المواطن. الحكومة مطالبة اليوم وبشكل عاجل بمراجعة حقيقية لواقع المعيشة، وذلك عبر ثلاثة مسارات لا يمكن فصلها:
- إقرار الزيادة الثانية فوراً: الوعود بزيادة رواتب جديدة يجب أن تُترجم إلى قرارات فورية. المواطن الذي تحمل فاتورة الانتقال السياسي والاقتصادي لا يمكن أن يُترك وحيداً في مواجهة التضخم ورفع الدعم عن حوامل الطاقة.
- الضرب بيد من حديد لضبط الأسعار: زيادة الرواتب بدون رقابة صارمة على الأسواق هي مجرد نقل للأموال من جيب الحكومة إلى جيوب حيتان التجارة. يجب تفعيل لجان حماية المستهلك بآليات جديدة وصارمة، تمنع التجار من امتصاص أي زيادة قادمة.
- إطلاق عجلة الإنتاج المحلي: الحل الجذري لا يكمن في المساعدات الخارجية إلى الأبد، بل في دعم الصناعيين والمزارعين السوريين. تسهيل القروض، وتوفير الطاقة للمصانع، وحماية المنتج المحلي هي الضمانة الوحيدة لخلق فرص عمل حقيقية وتخفيض أسعار السلع.
خلاصة القول: نحن متفائلون بسوريا الحرة، وندرك أن بناء الدول يحتاج إلى وقت. لكن الأمعاء الخاوية لا تستطيع الانتظار طويلاً. الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما المسارعة في دعم المواطن بزيادة حقيقية تترافق مع ضبط للأسواق وإحياء للإنتاج، أو ترك المواطن فريسة لتجار الأزمات في اقتصاد يتعافى ببطء شديد.

الصبر مفتاح الفرج لكن مع الصبر لابد من مراقبة تجار الأزمات ومطالبتهم بالالتزام بأسعار محددة ومراقبة الناس التي بحالة عوز وإعاناتها ، على المختار ان يراقب المحلة التي هو فيها وسكانها وأوضاعهم واخبار المعنيين لمساعدة الفئة المحتاجة