النقاط الرئيسية
- تصاعد الشكوك الأوروبية بعد ملف غرينلاند يعجّل الحديث عن تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا.
- فون دير لاين تقول إن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% مقارنةً بما قبل حرب أوكرانيا.
- مشاريع صواريخ “الضربات العميقة” تتقدم، لكن الخلافات الصناعية تُبطئ برامج كبرى مثل FCAS.
ما الذي تغيّر في المزاج الأوروبي بعد غرينلاند؟
في كواليس مؤتمر ميونيخ للأمن، لم يعد النقاش الأوروبي يدور فقط حول “زيادة الميزانيات”، بل حول سؤال أعمق: كيف يمكن فعليًا تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا في عالمٍ يتزايد فيه عدم اليقين السياسي داخل واشنطن؟
خلال العام الماضي، كانت العلاقات عبر الأطلسي متوترة أصلًا، ثم جاء ملف غرينلاند ليضاعف الإحساس الأوروبي بأن الضمانات التقليدية لم تعد “مسلّمات”. لذلك، بدأ القادة الأوروبيون يتحدثون بوضوح أكبر عن بناء قدرة ردع وحماية ذاتية، مع الحفاظ على الناتو بوصفه الإطار الأوسع، ولكن هذه المرة عبر “ركيزة أوروبية” أقوى وأقل هشاشة أمام تبدّل المزاج السياسي الأميركي.
فون دير لاين: “تجاوزنا خطوطًا لا يمكن الرجوع عنها”
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اختصرت التحول بعبارة لافتة في ميونيخ، عندما ربطت تغيّر المزاج السياسي الأوروبي بتسارع القرارات الدفاعية، مشيرةً إلى أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% مقارنةً بما قبل اندلاع حرب أوكرانيا.
هذه الرسالة ليست مجرد رقم؛ بل محاولة لتأكيد أن تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا لم يعد شعارًا للاستهلاك الداخلي، وإنما مسارًا تُترجم بعض ملامحه إلى عقود تسليح، وخطط إنتاج، وتعاون صناعي عابر للحدود.
روبيو في ميونيخ: تطمينات محدودة… ونبرة أقل حدّة
في المقابل، حاول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تهدئة المخاوف عبر خطاب يميل إلى الدبلوماسية مقارنةً بخطابات أميركية سابقة في نفس المؤتمر. ومع ذلك، بدا أن الأوروبيين سمعوا “طمأنةً مشروطة”: تعاون نعم، لكن مع انتقادات لمسارات أوروبية في ملفات مثل المناخ والهجرة، ودون أن تتحول الكلمات إلى ضمانات تفصيلية مطمئنة بشأن كل ما يقلق العواصم الأوروبية.
وهنا تظهر المفارقة: واشنطن ترغب بأن تتحمل أوروبا عبئًا أكبر في الدفاع التقليدي عن القارة، بينما تريد أوروبا، في الوقت نفسه، أن تفعل ذلك بطريقة تحميها من أي تراجع محتمل في الالتزام الأميركي مستقبلًا. وبذلك، يلتقي الطرفان على الفكرة… ويختلفان على مستوى الثقة وحدودها.
“ركيزة أوروبية” داخل الناتو: ماذا تعني عمليًا؟
حديث “ركيزة أوروبية” لا يعني الخروج من الناتو، بل يعني تقوية العضلات الأوروبية داخله: مزيد من الجاهزية، وإنتاج ذخائر، واستكمال فجوات الدفاع الجوي والصاروخي، وامتلاك قدرات ضربات بعيدة المدى، علاوة على ذلك توحيد المشتريات قدر الإمكان لتفادي التشتت.
لكن ترجمة ذلك على الأرض ليست سهلة، لأن تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا يتطلب 3 شروط متزامنة:
- مالًا كافيًا ومستدامًا لسنوات.
- صناعة دفاعية قادرة على الإنتاج السريع.
- قرارًا سياسيًا موحدًا يقلّل الخلافات بين “اشترِ الأوروبي” و”الانفتاح على الموردين من خارج الاتحاد”.
أرقام الإنفاق: من 2% إلى 3.5%… وتكاليف “اللحاق”
خلال الفترة الأخيرة، اتجهت دول أوروبية إلى رفع إنفاقها الدفاعي، مدفوعةً بمخاوف من روسيا، وفي المقابل بضغوط أميركية متواصلة لزيادة مساهمة الحلفاء. وبحسب ما طُرح في سياق نقاشات الناتو، يرتفع سقف الطموح نحو مستويات أعلى من النسب السابقة، مع تخصيص جزء إضافي لاستثمارات أمنية مرتبطة بالبنية والجاهزية والقدرات.
المشكلة أن رفع النسب لا يكفي وحده. فحتى مع توفر المال، تحتاج أوروبا إلى وقت لتوسيع خطوط الإنتاج، وخصوصًا في الذخائر والدفاعات الجوية، وكذلك في الأنظمة بعيدة المدى التي تُعد من أكثر حلقات الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة.
صواريخ “الضربات العميقة”: مشروع ELSA يدخل الواجهة
من أبرز العناوين العملية التي تدفع باتجاه تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا هو تسريع التعاون الأوروبي في قدرات الضربات بعيدة المدى. وفي هذا السياق، تقدّم مشروع “النهج الأوروبي للضربات بعيدة المدى” (ELSA) بوصفه منصة تعاون لتطوير قدرات “ضربات عميقة” ودقيقة، بما ينسجم مع أهداف التخطيط الدفاعي داخل الناتو واحتياجات الدول المشاركة.
الفكرة هنا بسيطة: أوروبا تريد قدرة ردع تقليدية ذات مصداقية، بحيث لا تبقى رهينة لأي فجوة في الإمداد أو القرار السياسي عبر الأطلسي. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل تستطيع الدول توحيد المتطلبات التقنية، وتوزيع العمل الصناعي دون أن يتحول المشروع إلى ساحة صراع اقتصادي؟
العقدة الصناعية: FCAS نموذجًا لصعوبة “توحيد المصنع”
في أوروبا، غالبًا ما تبدأ المشاريع الكبرى بحماسة سياسية، ثم تتباطأ داخل التفاصيل: من يقود؟ من ينتج؟ من يحصل على الحصة الأكبر من الوظائف عالية القيمة؟ هذا ما يفسر تعثر برامج كبرى مثل مشروع المقاتلة المستقبلية (FCAS) بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا، حيث تظهر الخلافات حول توزيع العمل بين الشركات كشبحٍ يهدد الجدول الزمني.
وهنا تحديدًا تظهر “تكلفة السيادة”: الاستقلال الدفاعي الأوروبي ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل هندسة صناعية معقدة تتطلب تنازلات متبادلة، وإلا فإن الهدف سيبقى على الورق.
الردع النووي الأوروبي: نقاش حساس يعود للواجهة
اللافت أن النقاش لم يتوقف عند السلاح التقليدي. إذ بدأ بعض القادة يلمّحون إلى ترتيبات ردع نووي أوروبية، مع الإشارة إلى خصوصية فرنسا باعتبارها القوة النووية المستقلة الأوضح داخل أوروبا، بينما يرتبط جزء أساسي من القدرات النووية البريطانية بسلاسل دعم أميركية.
هذا النقاش لا يعني بالضرورة “سباق تسلّح”، لكنه يعكس قلقًا سياسيًا: إذا تراجع اليقين بالضمانة الأميركية يومًا ما، فكيف تُسدّ فجوة الردع؟ وبذلك يعود ملف “المظلة” إلى النقاش، ولو بحذر شديد.
هل ستلحق الأفعال بالأقوال؟
حتى الآن، تبدو المؤشرات مختلطة. نعم، هناك أرقام إنفاق أعلى، وهناك مشاريع تتقدم، وفي الوقت نفسه ما زالت الخلافات تعرقل مسارات أخرى. لذلك، سيكون المعيار الحقيقي لنجاح تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا هو قدرة أوروبا على:
- تسريع الإنتاج بدل الاكتفاء بالإعلانات.
- توحيد المشتريات وتقليل التكرار بين الجيوش.
- بناء سلسلة إمداد أوروبية للذخائر والأنظمة الحساسة.
- الحفاظ على تماسك سياسي يمنع كل دولة من سحب المشروع باتجاهها وحدها.
وبينما تقترب الحرب في أوكرانيا من عامٍ جديد ثقيل، يزداد شعور دول الجوار الأوروبي لروسيا بأن “الوقت ليس في صالحهم”. ولذلك، قد يتحول عام 2026 إلى نقطة فاصلة: إمّا انتقال فعلي إلى الاستقلال الدفاعي الأوروبي، أو بقاء الفكرة رهينة الانقسامات.
قسم الأسئلة الشائعة
هل يعني تقليل اعتماد أوروبا الدفاعي على أميركا الانسحاب من الناتو؟
ما أبرز المجالات التي تعتمد فيها أوروبا على الولايات المتحدة عسكريًا؟
ما هو مشروع ELSA ولماذا يُعد مهمًا؟
هل تستطيع أوروبا تنفيذ هذه الخطط بسرعة؟
لماذا عاد الحديث عن ردع نووي أوروبي؟
المصادر:
- رويترز.
- فايننشال تايمز.
- أسوشيتد برس.
- بيان/تصريح رسمي حول ELSA (وزارة الدفاع البولندية).
