حين نسمع خبرًا عن سرعة توسع الكون، قد يبدو الموضوع بعيدًا عن حياتنا اليومية، كأنه نقاش بين مجرات لا تعرف حتى عنوان كوكبنا. لكن الحقيقة مختلفة. نحن هنا أمام سؤال كبير جدًا: هل فهمنا الكون فعلًا كما ينبغي، أم أن هناك قطعة مفقودة ما زالت تختبئ في الظلام الكوني؟ الدراسة الجديدة جعلت هذا السؤال أكثر إلحاحًا، لأن القياس لم يهدّئ الجدل، بل زاد النار اشتعالًا بشكل علمي محترم، لا بشكل عناوين تصرخ فقط.
النقاط الرئيسية
- دراسة جديدة حدّدت القيمة المحلية لثابت هابل عند 73.5، بدقة تقارب 1%.
- الرقم الجديد لا يحل المشكلة، بل يزيد “توتر هابل” بين قياسات الكون القريب والكون المبكر.
- النتيجة قد تعني وجود فيزياء جديدة، لكنها لا تثبت وحدها أن الكون يقترب من “انكماش عظيم”.
قياس 73.5 يعمّق توتر هابل: هل نحن أمام فيزياء جديدة أم فهم ناقص للكون؟
الجديد هذه المرة ليس مجرد رقم فلكي آخر يمر في الأخبار، بل نتيجة تدفعنا إلى إعادة النظر في فهمنا الكامل لتاريخ الكون. فريق دولي من الباحثين توصّل إلى أحد أدق القياسات المباشرة حتى الآن لمعدل التوسع الحالي للكون، وحدّده عند 73.5 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك. هذا الرقم قد يبدو للوهلة الأولى تفصيلًا تقنيًا لا يهم إلا الفلكيين، لكنه في الحقيقة أشبه بحجر صغير أُلقي في بحيرة هادئة، فإذا بالدوائر تتسع لتصل إلى أسس علم الكونيات نفسه.
ما يلفت الانتباه أيضًا أن هذا القياس لم يعتمد على طريقة واحدة فقط، بل جاء من خلال دمج شبكة من وسائل القياس المختلفة داخل نموذج مترابط، وهو ما منح النتيجة وزنًا أكبر. بكلمات أبسط: العلماء لم يستخدموا “مسطرة واحدة”، بل أحضروا صندوق العدّة كله، ثم وجدوا أن النتيجة ما زالت تقول الشيء نفسه.
ما معنى سرعة توسع الكون أصلًا؟
عندما نتحدث عن سرعة توسع الكون، فنحن لا نقصد أن المجرات تطير في الفضاء كما تهرب السيارات على طريق سريع. الصورة الأدق هي أن الفضاء نفسه يتمدد، ولذلك تبدو المجرات وكأنها تبتعد عن بعضها مع مرور الوقت. هذا هو جوهر ما نصفه بـ ثابت هابل، وهو الرقم الذي يخبرنا بمعدل هذا التمدد.
ولو أردنا تبسيط الفكرة أكثر، يمكننا تخيّل الكون كعجينة خبز فيها حبات زبيب. كلما تمددت العجينة في الفرن، ابتعدت الحبات عن بعضها. الحبات لم تقرر الرحيل، لكن المسافة بينها كبرت لأن العجينة نفسها تمددت. نعم، المثال جائع قليلًا، لكن الفكرة مفيدة.
أين تكمن المشكلة؟ ولماذا يبدو العلماء قلقين؟
المشكلة لا تكمن في قيمة 73.5 وحدها، بل في أنها لا تتفق مع القيمة التي نحصل عليها عندما ننظر إلى الكون المبكر. وفق البيانات المستخلصة من الخلفية الكونية الميكروية، أي الضوء الأقدم تقريبًا الذي ما زلنا نرصده من بدايات الكون، يُفترض أن تكون قيمة التمدد الحالية أقرب إلى 67 أو 68 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك.
هنا يظهر ما يسميه العلماء توتر هابل. منطق العلم يقول إن الطريقتين يجب أن تقودا تقريبًا إلى النتيجة نفسها. لكن ما يحدث هو العكس. القياسات المحلية تقول شيئًا، وتوقعات الكون المبكر تقول شيئًا آخر. ورغم أن الفرق العددي قد يبدو صغيرًا للقارئ العادي، فإنه في لغة الفيزياء فرق كبير جدًا، أكبر من أن نعلّقه ببساطة على خطأ إحصائي أو مشكلة تقنية عابرة.
لماذا الدراسة الجديدة مهمة فعلًا؟
أهمية الدراسة أنها لم تأتِ لتضيف رقمًا جديدًا فقط، بل لتقوّي الشك بأن الخلل ليس في طريقة واحدة من طرق القياس. الباحثون جمعوا أكثر من تقنية، بينها النجوم المتغيرة، والنجوم العملاقة الحمراء، والمستعرات العظمى، وطرق أخرى تُستخدم لبناء ما يسمى “شبكة المسافة المحلية”. وبعد كل هذا الدمج، بقيت النتيجة مرتفعة وقريبة من 73.5.
هذا يعني أن فرضية “ربما هناك خطأ واحد أغفلناه” أصبحت أضعف بكثير. وهنا يبدأ الجزء المثير فعلًا: إذا لم تكن المشكلة في القياس، فقد تكون في النموذج الكوني نفسه. وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا، لأن النموذج القياسي الحالي هو الإطار الذي نعتمد عليه لفهم تاريخ الكون ومكوناته وسلوكه على أكبر المقاييس.
هل نحن أمام فيزياء جديدة؟
هنا تبدأ الأسئلة التي تجعل الخبر أكثر من مجرد مادة علمية لطيفة. إذا كان توتر هابل حقيقيًا، كما تشير الأدلة المتراكمة، فقد نكون فعلًا أمام فيزياء جديدة تتجاوز النموذج الكوني القياسي. وربما يكون الخلل في فهمنا للطاقة المظلمة، أو في طبيعة الجاذبية على المقاييس الكونية، أو في عنصر لم نضعه بعد ضمن المعادلة.
من وجهة نظري، هذا هو الجزء الأكثر جمالًا في الخبر. العلم هنا لا يتظاهر بالكمال. على العكس، هو يقول لنا بوضوح: “لدينا نموذج قوي، لكنه قد لا يكون القصة كاملة”. وهذا في حد ذاته مشهد رائع. لأن التقدم العلمي لا يحدث فقط عندما نجد الإجابة، بل أيضًا عندما نكتشف أن السؤال كان أكبر مما ظننا.
هل هذا يعني أن الكون سيفنى فجأة؟
هنا يجب أن نتوقف قليلًا، لأن بعض العناوين الصحفية تحب القفز فوق المراحل. الدراسة الجديدة تدعم فكرة أن الكون يتمدد أسرع مما تتوقعه بعض النماذج، لكنها لا تثبت وحدها أن الكون سيفنى “في لحظة” أو أن “الانكماش العظيم” أصبح مصيرًا مؤكدًا.
سيناريو الانكماش العظيم هو أحد الاحتمالات النظرية التي يناقشها العلماء عندما يتحدثون عن مستقبل الكون. وفق هذا التصور، قد يتوقف التوسع في وقت ما، ثم يبدأ الكون بالانهيار على نفسه تدريجيًا. لكن هذا السيناريو يعتمد على فهم أعمق للطاقة المظلمة وسلوكها عبر الزمن، وليس على رقم ثابت هابل وحده.
بمعنى أوضح: نحن لا نتلقى اليوم إشعارًا رسميًا من الكون يقول “استعدوا للإغلاق النهائي”. ما يحدث هو أن العلماء رصدوا إشارة قوية تقول إن هناك شيئًا ناقصًا في الصورة، وإن فهم مصير الكون ما زال مفتوحًا على عدة احتمالات.
ما علاقة الطاقة المظلمة بكل هذا؟
الطاقة المظلمة هي العنصر الغامض الذي يُعتقد أنه مسؤول عن تسارع توسع الكون. المشكلة أننا نعرف تأثيرها أكثر مما نعرف حقيقتها. كأننا نرى الريح تحرك الستائر، لكننا لم نفتح النافذة بعد لنعرف من أين تأتي.
إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة كما نفترض اليوم، فقد يستمر الكون في التوسع إلى المستقبل البعيد. أما إذا كان تأثيرها يتغير مع الزمن، فحينها قد نحتاج إلى إعادة حسابات كثيرة، من بينها الطريقة التي نقرأ بها تاريخ الكون ومصيره النهائي. ولهذا السبب، فإن أي خبر عن ثابت هابل لا يبقى محصورًا في رقم، بل يمتد مباشرة إلى أسئلة أكبر عن الطاقة المظلمة وبنية الكون كله.
ماذا تعني هذه الدراسة للقارئ العادي؟
ربما يسأل البعض: وماذا سأستفيد أنا من خبر كهذا؟ الحقيقة أننا عندما نتابع أخبارًا كهذه، فنحن لا نقرأ فقط عن الفضاء البعيد، بل نراقب لحظة نادرة من لحظات العلم وهو يعيد فحص نفسه. هذا النوع من الأخبار يذكرنا بأن المعرفة ليست صندوقًا مغلقًا، بل مشروعًا مفتوحًا يزداد عمقًا كلما تحسنت أدواتنا.
كما أن هذه النتائج ستدفع إلى مزيد من المشاريع الرصدية المتقدمة، وإلى مراجعة نماذج علمية كانت تبدو مستقرة. ومع دخول مراصد الجيل القادم إلى المشهد، من المتوقع أن تصبح قياسات الكون أكثر دقة، وهو ما قد يقربنا من حل اللغز، أو يجعل اللغز أكثر إثارة.
الخبر الحقيقي ليس الرقم وحده
برأيي، الخبر الأهم هنا ليس أن الكون يتمدد بسرعة 73.5 فقط، بل أن هذا الرقم بات يرفض بهدوء أن ينسجم مع القصة القديمة. أحيانًا يربكنا رقم صغير أكثر من ألف تصريح كبير، لأن الأرقام حين تصرّ على التكرار، تصبح مثل طفل ذكي في الصف يرفع يده كل مرة ليقول: “هناك شيء لا يطابق الشرح”.
لذلك، فإن الدراسة الجديدة لا تعلن نهاية الكون، لكنها تعلن شيئًا لا يقل أهمية: بداية مرحلة جديدة من الأسئلة. وربما يكون هذا أجمل ما في العلم. نحن لا نحتاج دائمًا إلى نهاية مطمئنة، بل نحتاج إلى فضول حيّ يدفعنا إلى النظر أبعد. الكون، على ما يبدو، ما زال يحتفظ بأسراره، ونحن ما زلنا في أول الطريق.
وفي النهاية، إذا كان هذا الاكتشاف سيترك فينا أثرًا، فهو ليس الخوف من مصير بعيد جدًا، بل الدهشة من أن هذا العالم الواسع لا يزال قادرًا على مفاجأتنا. كلما ظننا أننا فهمنا السطر الأخير، اكتشفنا أن الكون ما زال يكتب الهامش بخط أصغر، وأذكى، وأجمل.
قسم الأسئلة الشائعة
ما المقصود بسرعة توسع الكون؟
ما القيمة الجديدة التي توصّل إليها العلماء؟
ما هو توتر هابل؟
هل تثبت هذه الدراسة أن الكون سينهار في انكماش عظيم؟
لماذا يهتم العلماء بهذا الخلاف في القياسات؟
المصادر
- Astronomy & Astrophysics – The Local Distance Network
- International Space Science Institute (ISSI)
- ESA Planck Mission
- NASA Science
- Berkeley Lab – DESI Results
- Cornell Chronicle
