لطالما وقف العلم حائراً أمام المعضلة الكبرى: كيف تنشأ مشاعرنا وأفكارنا من مجرد إشارات كهربائية؟ في هذا السياق، يقدم علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) مقاربة جريئة قد تغير قواعد اللعبة في دراسة الوعي البشري، متجاوزين أساليب المراقبة التقليدية إلى مرحلة “التدخل المباشر”.
من المراقبة الصامتة إلى التدخل الفاعل
في السابق، اعتمد علماء الأعصاب بشكل كبير على المراقبة فقط. بعبارة أخرى، كانوا يصورون نشاط الدماغ ويلاحظون تزامنه مع شعور معين، ثم يستنتجون وجود رابط بينهما. لكن، تطرح الدراسة الجديدة التي نشرها الباحثون في دورية “نيوروساينس آند بيهافيورال ريفيو” (Neuroscience & Biobehavioral Reviews) فكرة جوهرية مفادها أن التزامن وحده لا يكفي؛ لأنه قد يكون مجرد صدفة بحتة.
وعليه، يقترح الفريق العلمي الانتقال إلى اختبارات “السبب والنتيجة”. فبدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة، يمكننا الآن التدخل في دوائر دماغية دقيقة وتعديل نشاطها، لنرى ما إذا كان ذلك سيغير الوعي البشري وإدراك الشخص للواقع فعلياً. إذا حدث التغيير، فهذا يثبت أن تلك الدائرة العصبية هي صانعة للوعي، وليست مجرد مرافقة له.
تقنية “الموجات فوق الصوتية”: مفتاح الدخول الآمن
لتحقيق هذا الهدف الطموح، يسلط الباحثون الضوء على تقنية واعدة تُعرف بـ “الموجات فوق الصوتية المركزة عبر الجمجمة”. وتتميز هذه التقنية، علاوة على دقتها العالية، بأنها غير جراحية تماماً، مما يسمح بإجراء تجارب آمنة على الأشخاص الأصحاء في مناطق دماغية كانت تُعتبر سابقاً “محرمة” أو صعبة الوصول.
وفي هذا الصدد، تعمل هذه الأداة المتطورة عبر إرسال موجات صوتية تخترق عظام الجمجمة لتتركز في نقطة متناهية الصغر (بقطر مليمترات) داخل عمق الدماغ. ونتيجة لذلك، يستطيع العلماء تغيير النشاط العصبي في تلك النقطة المحددة، ثم قياس التأثير المباشر على الإدراك الحسي، أو الشعور بالألم، أو حتى الوعي البصري.
تعريف جديد للتجربة الذاتية
تفتح هذه التقنية الباب واسعاً أمام فهم أعمق لماهية الوعي. إذ يعرّف العلماء الوعي بأنه تلك التجربة الذاتية الداخلية؛ أي شعورك بأنك “أنت” من يرى ويسمع. فالمسألة لا تقتصر على معالجة المعلومات البصرية للنص الذي تقرؤه الآن، بل تتعداها إلى شعورك الداخلي بوجودك أثناء القراءة.
ومن المخطط أن يبدأ الباحثون رحلتهم الاستكشافية بتجارب على القشرة البصرية، لتمتد لاحقاً إلى مناطق أكثر تعقيداً في الفص الجبهي. ويهدف هذا التدرج، في المقام الأول، إلى التمييز الدقيق بين ما هو مجرد “استجابة كهربائية” آلية، وبين ما يختبره الإنسان فعلياً كإحساس واعٍ ومدرك.
بناءً على ما سبق، قد تمثل هذه الأداة المنصة المنتظرة لحسم الجدل العلمي الطويل حول منشأ الوعي، وكيفية تفاعل الشبكات العصبية المعقدة لخلق تجربتنا الإنسانية الفريدة.
المصدر:
Neuroscience & Biobehavioral Reviews
