الرصد الفلكي الحديث يكشف أسرار الكون المبكر
في بقعة تبدو خالية من المجرات، التقط تلسكوب “فاست” الراديوي الصيني إشارة فريدة من سحابة هيدروجين تُعرف بالرمز “جيه 1351” (J1351+0039)، تقع على مسافة تقارب 114 مليار مليار كيلومتر من الأرض. ولم يكن الغريب وجود الغاز في الفضاء، بل إن حركة السحابة توحي بوجود كتلة خفية ضخمة تحفظها متماسكة، مما يرجح أن الفلكيين أمام “مجرة مظلمة” لم تنجح في تكوين النجوم أصلا.
وجاءت هذه النتائج بعد رصد السحابة ثلاث مرات بين يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026، ومقارنة موقعها بصور عميقة من مسح “ديزي” البصري. ونشر الباحث جين لونغ شو وزملاؤه من الأكاديمية الصينية للعلوم الدراسة الأولية في سبتمبر/أيلول 2026.
إشارة راديوية بلا مجرة مرئية
بحث الفريق عن بصمة الهيدروجين المتعادل في موجات راديوية بطول 21 سنتيمترا. وأظهرت القياسات سحابة شبه دائرية تضم هيدروجينا تعادل كتلته نحو 480 ألف شمس، ويبلغ قطر منطقتها الغازية نحو 180 مليون مليار كيلومتر.
في المقابل، لم تكشف الصور البصرية عن أي مجرة مرتبطة بالسحابة. وقدر الفريق الكتلة الإجمالية اللازمة لتفسير حركة الغاز بنحو 130 مليون كتلة شمسية، أي نحو 200 ضعف كتلة مادته العادية المقدرة. وتشير هذه الفجوة إلى هيمنة المادة المظلمة، وهي مادة لا تُرى مباشرة بل يُستدل عليها من جاذبيتها. كما أكدت العزلة المكانية للسحابة عدم كونها مجرة بقايا انتزعت من نظام مجري آخر.
لماذا لم تشتعل النجوم في هذه المجرة؟
أظهرت خريطة حركة الغاز دورانا ضعيفا بسرعة لا تتجاوز 4.2 كيلومترات في الثانية، مقابل حركات عشوائية تقارب 11.6 كيلومترًا في الثانية. ويدل ذلك على أن ضغط الغاز وجاذبية الكتلة غير المرئية هما ما يحافظ على استقرار السحابة.
ويفسر العلماء هذا اللغز بالعودة إلى تاريخ الكون المبكر؛ حيث يُعتقد أن الإشعاع فوق البنفسجي المنتشر أبقى الغاز دافئا، ومنعه من التبرد والتكاثف لتشكيل النجوم.
ورغم وصف الباحثين للجسم بأنه من أقوى المرشحين لهذه الفئة النادرة، يبقى احتمال وجود تجمع نجمي خافت تقل كتلته عن 150 ألف كتلة شمسية قائما. ولحسم الجدل، سيكون التصوير العميق عبر تلسكوبي “هابل” أو “جيمس ويب” الاختبار الفاصل بين تأكيد خلوها التام من النجوم أو كشف نجوم مستترة.
