في كل مرة نتحدث فيها عن الطاقة الشمسية، يظهر نفس السؤال:
ماذا يحدث عندما تغيب الشمس؟
بصراحة، هذه كانت نقطة ضعف واضحة… إلى أن جاء هذا الابتكار الغريب والمثير: خشب قادر على توليد الكهرباء ليلًا ونهارًا.
نعم، نحن لا نتحدث عن ألواح شمسية متطورة، بل عن مادة طبيعية — خشب — تم تحويله إلى نظام طاقة متكامل يجمع بين الامتصاص والتخزين والتوليد في نفس الوقت.
ووفقًا لدراسة نُشرت في Advanced Energy Materials، نجح الباحثون في تطوير مادة تعتمد على خشب البلسا قادرة على حل واحدة من أقدم مشاكل الطاقة المتجددة.
كيف تحوّل الخشب إلى محطة طاقة؟
بدلًا من استخدام عدة طبقات (لوح شمسي + بطارية + نظام تخزين)، قرر العلماء أن يجعلوا الخشب نفسه يقوم بكل هذه الوظائف.
1. إعادة تصميم الخشب من الداخل
خشب البلسا ليس عاديًا… عند النظر إليه تحت المجهر، يبدو كأنه شبكة من الأنابيب الدقيقة المتوازية.

هذه القنوات:
- توجه الحرارة
- تخزن المواد
- تساعد في نقل الطاقة
ولهذا السبب تم اختياره كأساس للنظام.
2. تحويله إلى “إسفنجة طاقة”
قام الباحثون بإزالة مادة اللجنين من الخشب، وهي المسؤولة عن الصلابة واللون.
النتيجة:
- مسامية أكثر من 90%
- مساحة تفاعلية ضخمة داخل الخشب
تحوّل الخشب إلى ما يشبه “إسفنجة طاقة” تمتص الضوء بكفاءة عالية.
3. إضافة مادة خارقة تمتص الضوء
تم تغليف القنوات الداخلية بمادة تُعرف باسم الفوسفورين الأسود (Phosphorene)، وهي مادة متقدمة قادرة على امتصاص الضوء عبر نطاق واسع.
هذه المادة:
- تمتص الأشعة فوق البنفسجية
- والضوء المرئي
- وحتى الأشعة تحت الحمراء
النتيجة:
تحويل الضوء إلى حرارة بكفاءة وصلت إلى 91% تقريبًا.
4. تخزين الطاقة داخل الخشب
تم ملء القنوات بمادة “تغيير الطور” مثل حمض الستيريك، والتي:
- تذوب عند التسخين → تخزن الطاقة
- تتصلب عند التبريد → تطلق الطاقة
النظام قادر على تخزين حوالي 175 كيلوجول لكل كغ من الطاقة الحرارية.
كيف يولّد الكهرباء في الظلام؟
السر هنا بسيط لكنه عبقري:
- أثناء النهار → يمتص الخشب الضوء ويخزن الحرارة
- أثناء الليل → يطلق الحرارة تدريجيًا
وهذا يولد فرقًا حراريًا مستمرًا، يمكن تحويله إلى كهرباء باستخدام مولد حراري كهربائي.
تم تسجيل جهد كهربائي يصل إلى 0.65 فولت حتى بعد غياب الشمس.
ما أهمية هذا الخشب الشمسي؟

لأنّه يعالج المشكلة الأساسية للطاقة الشمسية:
المشكلة:
- لا تعمل في الليل
- تعتمد على الطقس
الحل الجديد:
- يعمل ليلًا ونهارًا
- يجمع التخزين والتوليد في مادة واحدة
- يقلل فقدان الطاقة الناتج عن تعدد الطبقات
وبالتالي، نحن أمام جيل جديد من الطاقة الشمسية يعتمد على مواد طبيعية ذكية.
خصائص إضافية تجعل الخشب “مادة المستقبل”
لم يتوقف الأمر عند توليد الطاقة فقط… هذه المادة الجديدة تمتلك أيضًا:
- مقاومة للماء (طاردة للماء بشدة)
- مقاومة للاشتعال (تنطفئ ذاتيًا)
- خصائص مضادة للبكتيريا
وهذا يعني أنها مناسبة للاستخدام في البيئات الخارجية دون مشاكل كبيرة.
هل سنراه قريبًا في الأسواق؟
للأسف… ليس بعد. حتى الآن، هذه التقنية لا تزال في مرحلة:
إثبات المفهوم (Proof of Concept)
لكن الباحثين يرون أنها:
- قابلة للتوسع
- صديقة للبيئة
- أقل تكلفة مستقبلًا من الأنظمة التقليدية
هل نحن أمام ثورة فعلًا؟
لو سألتني رأيي كمراقب للتقنية… فأنا أرى أن هذا الابتكار ليس مجرد “اختراع لطيف”، بل بداية اتجاه جديد:
👉 دمج الطبيعة مع التكنولوجيا بدل استبدالها
بدل تصنيع مواد معقدة ومكلفة، بدأ العلماء في:
- استخدام مواد طبيعية
- تعديلها نانويًا
- وتحويلها إلى أنظمة ذكية
وهذا قد يغير مستقبل البناء، الطاقة وحتى الإلكترونيات.
ربما ليس اليوم… لكن في المستقبل القريب، قد ترى:
- منازل تولد الكهرباء من جدرانها
- مواد بناء تخزن الطاقة
- أجهزة تعمل دون الحاجة لبطاريات تقليدية
بينما لا تزال التقنية في المختبر، إلا أن الطريق واضح طاقة أنظف، أبسط، وأقرب إلى الطبيعة.

