أثار الإعلان عن حاملة الطائرات الفضائية الصينية موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط العسكرية والتقنية. فبينما تصفها بكين بأنها مشروع استراتيجي مستقبلي قد يغير قواعد الاشتباك الجوي، يرى محللون غربيون أنها أقرب إلى عرض دعائي في إطار التنافس الدولي المتصاعد.
وقد عرضت الصين نموذجًا تصوريًا لما أسمته “لوانياو” عبر فيديو توضيحي نشرته وسائل إعلام رسمية، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل: هل نحن أمام نقلة عسكرية فعلية، أم أمام رسالة سياسية موجهة إلى واشنطن وحلفائها؟
هل تمثل “لوانياو” نقلة استراتيجية أم استعراض قوة في سباق الفضاء؟
بحسب ما نشرته صحيفة Il Giornale الإيطالية، فإن المشروع الذي قدمته الصين يتمثل في منصة جوية ضخمة قادرة على التحليق عند حافة الغلاف الجوي للأرض، مع إمكانية إطلاق طائرات مسيّرة شبحية مزودة بصواريخ فرط صوتية.
وتشير البيانات المتداولة إلى أن طول المنصة قد يصل إلى 684 مترًا، وعرضها إلى 242 مترًا، بينما يبلغ وزنها عند الإقلاع نحو 120 ألف طن. وإذا صحت هذه الأرقام، فإنها تجعل حاملة الطائرات الفضائية الصينية أكبر من أي منصة جوية أو بحرية معروفة حاليًا.
علاوة على ذلك، يُفترض أن تحمل المنصة نحو 88 طائرة مسيّرة من طراز “شوان نو”، قادرة على المناورة العالية وإطلاق صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت. ومن الناحية النظرية، يسمح لها موقعها فوق أنظمة الدفاع التقليدية بالعمل بعيدًا عن الصواريخ أرض-جو والصواريخ الاعتراضية، وهو ما يمنحها أفضلية عملياتية كبيرة.
جزء من مشروع “نانتيانمين” الأوسع
لا يأتي هذا المشروع بمعزل عن برنامج أوسع يعرف باسم “نانتيانمين”، والذي يعني “البوابة الجنوبية إلى السماء”. وتشرف على تطويره شركة Aviation Industry Corporation of China، المعروفة اختصارًا بـ AVIC.
ويتضمن البرنامج أيضًا تطوير مقاتلة من الجيل السادس تحمل اسم “بايدي”، عُرض نموذج أولي لها خلال معرض الصين الدولي للطيران عام 2024. ووفق التصورات المعلنة، فإن هذه المقاتلة صُممت للعمل في بيئات قريبة من الفضاء، ما يعزز الرؤية الصينية لبناء قدرات هجومية عابرة للغلاف الجوي.
عقبات تقنية معقدة
ورغم الطموح المعلن، فإن خبراء كثر يشككون في إمكانية تنفيذ حاملة الطائرات الفضائية لوانياو خلال الإطار الزمني الذي حددته بكين، والذي يتراوح بين 20 و30 عامًا.
فالتشغيل المستقر لمنصة بهذا الحجم على حافة الغلاف الجوي يتطلب أنظمة دفع جديدة كليًا، فضلًا عن كميات هائلة من الوقود وتقنيات تبريد متطورة. كما أن إطلاق صواريخ دقيقة من ارتفاعات شبه فضائية يفرض تحديات في التوجيه والملاحة لا تزال قيد البحث عالميًا.
من ناحية أخرى، يطرح بعض المحللين خيار وضع المنصة في مدار منخفض حول الأرض، غير أن هذا السيناريو يفتح بابًا لمخاطر الاصطدام بالحطام الفضائي، خاصة في ظل الازدحام المتزايد في المدار الأرضي.
كما أشار تقرير لصحيفة The Telegraph البريطانية إلى أن الصين، رغم تقدمها في مجال الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، لم تحقق بعد نتائج تضاهي ما أنجزته SpaceX في هذا المجال، وهو ما يزيد من صعوبة تنفيذ مشروع بهذا الحجم.
أبعاد سياسية واستراتيجية
في المقابل، لا يمكن فصل الإعلان عن حاملة الطائرات الفضائية الصينية عن سياق التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة.
فخلال السنوات الأخيرة، تصاعد سباق التسلح الفضائي، سواء عبر تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية أو عبر تعزيز القدرات السيبرانية والفرط صوتية. وبالتالي، قد يكون الكشف عن “لوانياو” رسالة ردع سياسية بقدر ما هو مشروع تقني طويل الأمد.
كما أن الإشارة إلى مناطق مثل تايوان أو بحر جنوب الصين في النقاشات التحليلية تعكس البعد الجيوسياسي للمشروع، إذ يمنح الانتشار شبه الفضائي قدرة على تموضع مباشر فوق مناطق حساسة.
بين الواقع والطموح
في ضوء كل ما سبق، تبدو حاملة الطائرات الفضائية الصينية مشروعًا يجمع بين الجرأة النظرية والتحديات العملية. فمن جهة، يعكس الإعلان طموحًا صينيًا واضحًا للانتقال بالحرب الجوية إلى مستوى جديد. ومن جهة أخرى، فإن التعقيدات التقنية تجعل التنفيذ الفعلي مسألة تحتاج إلى عقود من البحث والتطوير.
وفي نهاية المطاف، سواء تحولت “لوانياو” إلى منصة عملياتية أم بقيت نموذجًا تصوريًا، فإنها تؤكد حقيقة واحدة: سباق السيطرة على الفضاء لم يعد خيالًا علميًا، بل بات ساحة تنافس حقيقية بين القوى الكبرى.
المصدر:
تقرير نشرته صحيفة “Il Giornale” الإيطالية
