تعتبر البلوزة الوهرانية من أبرز أيقونات التراث الثقافي غير المادي في الجزائر. وفي هذا السياق، تواصل الجزائر جهودها الحثيثة لترشيح هذا اللباس التاريخي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” لحفظه كتراث إنساني عالمي. علاوة على ذلك، لا تقتصر أهمية هذا الزي على كونه قطعة قماش فاخرة تتزين بها النساء، بل تتعدى ذلك لتصبح مرآة تعكس هوية المرأة الجزائرية وتحكي أصالة الحقب الاجتماعية التي مرت بها البلاد.
لباس يجسد الهوية ويزين المناسبات
ترتدي النساء في الجزائر البلوزة الوهرانية في حياتهن اليومية بتصاميم بسيطة، أو في المناسبات الدينية والاجتماعية والأعراس بتصاميم مطرزة وفخمة. بالتالي، تتقاطع هذه القطعة مع أزياء محلية أخرى مثل “الكاراكو” العاصمي و”القندورة” القسنطينية، حيث تجسد جميعها التنوع الثقافي الغني للبلاد.
ومؤخراً، احتضن المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا والتاريخ، مراسم رسمية لإيداع ملفات ترشيح عناصر التراث الثقافي غير المادي الجزائري. وقد ترأست وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، هذه المراسم بحضور دبلوماسي بارز. وتزامن هذا الحدث مع زيارة حرم رئيس وزراء جمهورية صربيا إلى الجزائر، مما أضفى بُعداً دولياً يؤكد دور التراث الجزائري كأداة للتواصل الحضاري وجسر للتقارب بين الشعوب.
البلوزة تتصدر الترشيحات الثقافية
من ناحية أخرى، تصدر ملف “فن البلوزة وتزيينها بالغرب الجزائري الكبير: معارف، ومهارات ومراسم” قائمة الترشيحات. وتهدف هذه الخطوة إلى تثمين اللباس التقليدي الجزائري الذي يعكس مهارات حرفية متوارثة وطقوساً ضاربة في عمق التاريخ.
وفي هذا الإطار، يوضح أستاذ التاريخ عبد الحق شيخي أن ظهور البلوزة الوهرانية يعود إلى القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهوية النسوية في الجزائر، وتحديداً في مناطق الغرب. وأضاف شيخي في حديثه لـ”العربية.نت”: “تطور هذا اللباس عبر التاريخ ليحمل أسماء متعددة بناءً على تفاصيل الخياطة والتطريز، وعلى سبيل المثال نجد: السموك، بلوزة الزعيم، السوتاج، عش النحل، والقطيفة”. ورغم التعديلات التي تطرأ على نوع القماش أو الطرز، تحافظ البلوزة دائماً على هويتها الأصيلة.
سر الأناقة في “تصديرة” العروس الجزائرية
بدورها، تؤكد صورية نعيمة، المختصة في التراث الشعبي الجزائري، أن البلوزة تمثل الرمز الأول للمرأة الوهرانية. ولذلك، لا يخلو أي حفل زفاف في الغرب الجزائري من هذا الزي، حيث يعتبر ركيزة أساسية ضمن “التصديرة” (مجموعة الألبسة الاحتفالية التي ترتديها العروس).
وأوضحت المتحدثة أن الحرفيين يصنعون البلوزة الأصلية غالباً من قماش الحرير الفاخر. وتتميز بتصميمها الطويل الذي يبرز منطقة الصدر المليئة بالتطريز اليدوي الدقيق والحلي الذهبية الجميلة، والتي تُعرف محلياً باسم “التعميرة”. ونتيجة لذلك، تحرص المرأة الجزائرية في كل مناسبة على إبراز عراقة منطقتها من خلال ارتداء هذا الزي، مما يؤكد مدى تشبثها بالأصالة والتاريخ.
انتصارات دبلوماسية وثقافية متتالية
إلى جانب ذلك، يأتي هذا الترشيح ليعزز سلسلة النجاحات التي حققتها الجزائر مؤخراً. ففي ديسمبر الماضي، أقرت الدورة العشرون للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي اللامادي أسبقية الجزائر في تسجيل “القفطان” كمكون أساسي في تراثها.
وبناءً على ذلك، عدلت اللجنة اسم العنصر المسجل عام 2024 ليصبح صراحة: “الزيّ النسائي الاحتفالي في الشرق الكبير الجزائري: المعارف والمهارات المرتبطة بخياطة وتزيين القندورة، الملحفة، القفطان، القاط واللِّحَاف”. كما وافقت اليونسكو على تعديل ملف “تقليد اللباس العرائسي التلمساني” المسجل منذ 2012، بإضافة عبارة “لبسة القفطان”.
وختاماً، أصدرت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية بياناً اعتبرت فيه هذه القرارات نجاحاً دبلوماسياً كبيراً. ومما لا شك فيه، تتوج هذه الخطوات جهود الدولة المستمرة لحماية وتثمين الموروث الثقافي الجزائري بكافة مكوناته، وصونه من كل محاولات التزييف أو الاستحواذ.