من خدمة مجانية إلى قيمة اقتصادية
من البحث على الإنترنت إلى مشاهدة مقاطع الفيديو وتحديد الموقع الجغرافي، ينتج المستخدم يوميًا كميات هائلة من البيانات تشمل سجل التصفح، نوع الجهاز، والوقت المستهلك عبر التطبيقات. لا تكمن القيمة الاقتصادية لهذه البيانات في كل معلومة منفردة، بل في قدرة الشركات على جمعها بكميات ضخمة لتحليل الأنماط وسلوك العملاء، وتوجيه الإعلانات فائقة الاستهداف وتحпين الخدمات.
تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن البيانات أصبحت مدخلاً أساسياً للإنتاج، وأن قيمتها تتحدد بحسب سياق الاستخدام وقواعد الحوكمة، وليست سلعة تقليدية لها سعر موحد لكل سجل.
كم تساوي بيانات الفرد؟
لا يوجد سعر محدد لبيانات الفرد الواحد نظراً لتغير قيمتها بتغير النوع، الدقة، الحداثة، والغرض من الاستخدام. وعندما يستخدم الأفراد محركات البحث أو منصات التواصل مجاناً، فإن بياناتهم تسهم في تطوير الخدمات وتحسين الإعلانات.
يؤكد خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش أن البيانات الشخصية أصبحت أصلاً استراتيجياً يشكل “بصمة رقمية” متكاملة. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالمعلومات المدخلة مباشرة، بل يحلل السلوك ويستنتج التوقعات، مثل استنتاج رغبة المستخدم في شراء منتج معين بناءً على مراجعاته وقراءاته للأسعار.
سوق الإعلان الرقمي وتقنيات التتبع
يُعد سوق الإعلان الرقمي المقياس الأوضح لحجم اقتصاد البيانات؛ حيث بلغت إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة 294.6 مليار دولار في عام 2025 بنمو 13.9%، بينما تجاوز حجم سوق الإعلان الرقمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 8.18 مليارات دولار في العام نفسه.
تتجاوز الممارسات التجارية فكرة البيع المباشر؛ فقد كشفت قضايا لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية أن شركات مثل “أفاست” (Avast) جمعت معلومات التصفح عبر برامج مكافحة الفيروسات وباعتها لأطراف ثالثة. كما استخدمت شركات أخرى بيانات الموقع الجغرافي الدقيقة لإرسال عروض تسويقية أو تطبيق “التسعير القائم على المراقبة” لتحديد أسعار مختلفة للمستهلكين بناءً على سلوكهم الرقمي.
البيانات الصحية: أصول وطنية وإستراتيجية
تتجلى القيمة الاستراتيجية للبيانات في القطاع الصحي. فقد أثارت اتفاقيات المساعدات الصحية الأمريكية مع دول أفريقية -مثل أوغندا وكينيا- نقاشات واسعة حول السيادة الرقمية. على سبيل المثال، نصت اتفاقية مع أوغندا على منح وصول مباشر وفوري إلى 9 أنظمة بيانات صحية لمدة 7 سنوات مقابل مساعدات مالية، مما يعكس سعي الدول والشركات لامتلاك مجموعات بيانات ضخمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتطوير الأدوية.
التشريعات وحماية الخصوصية
واجهت الشركات قيوداً تنظيمية متزايدة لحماية البيانات الشخصية:
- الاتحاد الأوروبي: حقق في نماذج “الدفع أو الموافقة” التي تفرضها شركات مثل “ميتا” لإجبار المستخدمين على قبول جمع البيانات الإعلانية.
- السعودية: يمنح نظام حماية البيانات الشخصية الأفراد حقوق الوصول، التصحيح، وطلب إتلاف البيانات.
- قطر: ينظم القانون رقم 13 لسنة 2016 حماية خصوصية البيانات الشخصية ويشترط موافقة المستخدم مع ضوابط صارمة للبيانات الصحية.
اقتصاد البيانات في أرقام
- 294.6 مليار دولار: إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في أمريكا (2025).
- 8.19 مليارات دولار: حجم سوق الإعلان الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (2025).
- 1.7 مليار دولار: قيمة المساعدات الأمريكية لأوغندا مقابل الوصول لأنظمة البيانات الصحية.
لا توجد بورصة عالمية تضع سعراً موحداً لبيانات الفرد. وبدلاً من البحث عن القيمة الفردية، يكمن التحدي الحقيقي في فهم كيفية تحويل البيانات عبر الذكاء الاصطناعي إلى معرفة، وتحديد الجهة التي تمتلك القدرة على استخلاص العوائد الاقتصادية منها في العصر الرقمي.
